أحمد بن محمد المقري التلمساني
13
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وقد لفظتني الأرض حتى رمت إلى * ذراك برحلي هوجل وهجول « 1 » فقيّدت أفراسي به وركائبي * ولذّ مقام لي به وحلول وقد كنت ذا نفس عزوف وهمّة * عليها لأحداث الزمان ذحول « 2 » وتهوى العلا حظّي وتغري بضدّه * لذاك اعترته رقّة ونحول وتأبى لي الأيام إلّا إدالة * فصونك لي ، إنّ الزمان مديل « 3 » فكلّ خضوع في جنابك عزّة * وكلّ اعتزاز قد عداك خمول « 4 » وقال : [ المتقارب ] أبت همّتي أن يراني امرؤ * على الدهر يوما له ذا خضوع وما ذاك إلّا لأني اتّقيت * بعزّ القناعة ذلّ الخشوع مولده بسبتة عام ستة وسبعين وستمائة ، وتوفي بتونس ثاني عشر شوّال عام تسعة وأربعين وسبعمائة في الطاعون ، وكانت جنازته مشهورة رحمه اللّه تعالى ، انتهى . وحكي أنّ السلطان أبا الحسن المريني سبّ الشيخ عبد المهيمن الحضرمي بمجلس كتّابه ، فأخذ عبد المهيمن القلم وكسره ، وقال : هذا هو الجامع بيني وبينك ، ثم إن السلطان أبا الحسن ندم ، وأفضل عليه ، وخجل ممّا صدر منه « 5 » . وكان عبد المهيمن ينطق بالكلام معربا ، ويرتفع نسبه إلى العلاء بن الحضرمي صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأصل سلفه من اليمن ، وكان جدّهم الأعلى عبدون لحقه الضّيم ببلده ، فارتحل إلى المغرب ، فنزل سبتة . ولعبد المهيمن الحضرمي شيوخ أجلاء كابن أبي الربيع النحوي وابن الشاط وابن مسعود وغيرهم . وكان ذا سعد وسؤدد ، حسن الخطّ ، رأيت خطّه بإجازته لأبي عبد اللّه بن مرزوق وغيره . وكان عالي الهمّة سريّا ، أعطى المنصب حقّه ، وكان لا يحتمل الضيم واحتقار العلم ، وكان سريع الجواب ؛ حكي أنّ القاضي المليلي وأبا محمد عبد المهيمن الحضرمي المذكور صاحب العلامة للسلطان أبي الحسن حضرا مجلس السلطان ، فجرى ذكر الفقيه ابن عبد الرزاق ، فقال المليلي : جمع من الفنون كذا ، حتى وضع يده على أبي محمد
--> ( 1 ) من الفعل : هجل أي رمى به . ( 2 ) ذحول : جمع ذحل وهو الثأر . ( 3 ) الزمان مديل : أي مغيّر ، مبدّل . ( 4 ) عداك : جاوزك وفاتك . ( 5 ) في ب « صدر منه وأحسن إليه » .